jeudi 29 août 2019

دوار تونس: أسرار كهف الدرب بين الحقيقة والأسطورة


أذكر مما  قرأت من روائع الأدب الإنساني رواية "زوربا " للكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكي، وقد كان فيما سرده الكاتب قصة رائعة يحكيها عن جده لأمه حيث كتب : "كان جدي لأمي الذي يسكن في قرية صغيرة بكريت يأخذ كل مساء فانوسه ويقوم بجولة في القرية ليرى إن كان أحد الغرباء قد جاء إليها  مصادفة، كان يأخذه إلى منزله ويقدم له الكثير من الطعام والشراب، ثم يجلس على الأريكة ويشعل غليونه التركي الطويل ثم يلتفت نحو ضيفه ويقول بلهجة آمرة:
- حدثني ..
 - عماذا أحدثك أيها العم منستيوري؟
- ما بك ؟من أنت ؟ من أين قدمت؟ ما المدن والقرى التي شاهدتها في حياتك؟ حدثني عن كل شيء.. هيا تكلم!
ويبدأ الضيف بالحديث كيفما اتفق، خالطا الحقائق بالأكاذيب ، بينما يدخن جدي غليونه، ويسافر معه، وهو جالس على الأريكة في هدوء، وإذا ما أعجبه يقول له:
 - ستبقى معي غدا أيضا، ما زالت لديك أشياء كثيرة لترويها ..
إن جدي لم يغادر قريته قط لكنه كان يقول: 
- كيف أسافر إلى المدن وهي تأتي إلي في كل يوم .."
وهأنذا نزلت بكم ضيفا أيها الأصحاب، ومنكم يعرف الكرم ولين العريكة والترحاب، كي أحكي لكم عن أغرب ما سمعته في طفولتي من قصص، هي قصة جميلة عن كهف في بلدتنا، يعج بالأسرار الكثيرة والغامضة، ففي سفح تل سيدي نور يقع "كهف الدرب" هذا الكهف؛ الذي قيلت عنه أساطير وأقاويل كثيرة بعضها حقيقي وكثير منها نسجته الأخيلة والرؤى، ومهما يكن فاسم "الدرب" لم يكن اسما عبثيا بل اتخذ من كلمة الضرب أوالضربان وهو حيوان النيص، ومن المؤكد أن هذا الحيوان المسكين كان يستوطن هذا الكهف، وكما هو معلوم فالشبهم من الحيوانات الليلية التي تقتات على الجذور والثمار والنباتات والحشرات الصغيرة وهو حيوان جبان يتسمر في مكانه ويقذف الشوك من جسمه إذا ما أحس بالخطر، وهذا المعطى تؤكده رواية السيد الحاج العربي، وهو معمر من سكان دوار تونس، حيث صرح أن بعضا من أجداده رصدوا فعليا وجود هذا الحيوان وأوقعوه عمليا في كمين رهيب، وتمكنوا من الفتك به، وبعد مدة من الزمن تحول هذا الكهف إلى وكر تتناسل فيه الذئاب، ويذكر كيف أنه عاين شخصيا خروج جراء من الذئاب خوفا من اختناقها بأدخنة نار قوية أشعلت في مدخل الكهف، ويضيف أنه تمكن من الدخول إلى الكهف حبوا ذات مرة، ومشطه من الداخل وعرفه حق المعرفة، غير أنه في الوقت ذاته نفى أن يكون هناك نفق داخل الكهف يؤدي إلى مكان ما كما كان يدعى بعض الناس الذين قالوا أنهم أطلقوا ديكا وأنهم سمعوا صياحه بعد مدة في مرتفع سيدي نور. كما استبعد الرجل أن يكون الكهف قد استخدم كملاذ آمن للمقاومين الذين أزعجوا المستعمر الفرنسي في المنطقة إبان ما سمي بفترة الحماية، نظرا لضيق الكهف من جهة واستحالة العيش بداخله من جهة ثانية حسب تعبيره، ومن أغرب الأحداث التي حكاها السيد الحاج أن رجلا كان يلقب "بالكطوش " ظل مدة طويلة عاكفا على بناء صومعة ذات شكل أسطواني بالقرب من الكهف لاستخلاص عسل النحل من شق صخري في الصف الأحمر.
هذه هي القصة فما هي العبرة إذن؛ إن لم تكن ضرورة وعي العامة من الناس بأهمية الحياة البرية وبطرق الحفاظ عليها وبالتدبير المعقلن للموارد الطبيعية. فربما سيأتي يوم يولد فيه الطفل في البادية لكنه لا يعرف الذئب والثعلب والأرنب وهلم جرا.. ولو رعيت الحياة البرية من البدء حق الرعاية لكان النيص لا زال يستوطن ذلك الكهف إلى يومنا هذا ولكنت أنا من العارفين به.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire